ابن الجوزي

92

صفة الصفوة

شجرة ، ثم نظرت إلى إبراهيم وقد استلقى على قفاه فأقبلت السباع تلحسه من قرنه إلى قدميه ، وهو لا يتحرّك . ثم أصبحنا وخرجنا إلى منزل آخر وبتنا في مسجد فرأيت بقّة وقعت على وجه إبراهيم فلسعته ، فقال : أخّ . فقلت يا أبا إسحاق أيّ شيء هذا التأوّه ؟ أين أنت من البارحة ؟ فقال : ذاك حال كنت فيه باللّه ، وهذا حال أنا فيه بنفسي . عليّ بن محمد الحلواني قال : كان إبراهيم الخواص جالسا في مسجد الريّ وعنده جماعة إذ سمع ملاهي من الجيران ، فاضطرب من ذلك من كان في المسجد وقالوا : يا أبا إسحاق ما ترى ؟ فخرج إبراهيم من المسجد نحو الدار التي فيها المنكر فلما بلغ طرف الزّقاق إذا كلب رابض فلما قرب منه إبراهيم نبح عليه وقام في وجهه . فرجع إبراهيم إلى المسجد وتفكّر ساعة ثم قام مبادرا وخرج فمرّ على الكلب فبصبص الكلب « 1 » له فلما قرب من باب الدار خرج إليه شابّ حسن الوجه وقال : أيها الشيخ لم انزعجت ؟ كنت وجّهت ببعض من عندك فأبلغ لك كلّ ما تريد ، وعليّ عهد اللّه وميثاقه لا شربت أبدا وكسر جميع ما كان عنده من الشراب وآلته وصحب أهل الخير ولزم العبادة . ورجع إبراهيم إلى مسجده فلما جلس سئل عن خروجه في أول مرّة ورجوعه ، ثم خروجه في الثانية وما كان من أمر الكلب ، فقال : نعم ، إنما نبح عليّ الكلب لفساد كان قد دخل عليّ في عقد بيني وبين اللّه لم أنتبه له في الوقت ، فلما رجعت إلى الموضع ذكرته فاستغفرت اللّه عزّ وجل منه . ثم خرجت الثانية فكان ما رأيتم ، وهكذا كلّ من خرج لإزالة منكر فتحرّك عليه شيء من المخلوقات فلفساد عقد بينه وبين اللّه عزّ وجل ، فإذا وقع الأمر على الصحة لم يتحرك عليه شيء . أبو بكر بن محمد بن عبد اللّه الأنصاري قال : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الخوّاص يقول : من لم يصبر لم يظفر ، وإن لإبليس وثاقين ما أوثق بنو آدم بأوثق منهما : خوف الفخر والطّمع . الأزدي قال : سمعت إبراهيم الخواص يقول : دواء القلب خمسة أشياء : قراءة

--> ( 1 ) أي حرك ذنبه .